يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

471

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الأرض : ليتني هذه التبنة ، ليتني لم أكن شيئا ، ليت أمي لم تلدني ، ليتني كنت نسيا منسيا . وسمع رجل يقرأ : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ الإنسان : 1 ] ، فقال عمر : يا ليتها تمت . وغير هؤلاء كثير تمنوا أن لم يكونوا . قال بعضهم : ليتنا لم نخلق ، وليتنا إذ خلقنا لم نمت ، وليتنا إذ متنا لم نبعث ، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب ، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذب ، وليتنا إذ عذبنا لم نخلد . وذكر الحسن بن أبي الحسن البصري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : يخرج رجل من النار بعد ألف سنة . قال الحسن ليتني كنت ذلك الرجل . هذه حالة القوم وهم من هم ، كيف بأمثالنا . ونحن نحن ، لا قوّة إلا باللّه ، لكن صدق الذي يقول ؛ وقد سئل : ما بال العمال أكثر الناس خوفا والبطالين أكثر الناس أمنا ؟ فقال : من أي شيء تعجب ؟ ذلك لكثرة علم أولئك وجهل هؤلاء . لقد قال رحمه اللّه حقا : من خاف شيئا عمل على التخلص منه . وقال بعض الحكماء حكمة هداه اللّه لها : خف اللّه خوفا يشغلك عن الرجاء ، فإن الرجاء يشغلك عن الخوف . وما أشبه حالنا يا أخي بما قاله بعض العلماء ؛ وعلم من حيث أتينا وبما ذهبنا ؛ قال رضي اللّه عنه : ثلاثة استهوت العامة وأعظمت الشبهة على أكثر الخاصة : أوّلها الإسلام : لم يزل الشيطان والضعف يلهجانه : الحمد للّه على الإسلام . ومات فلان على الإسلام والجنة للمسلمين ، حتى ربما خرج كثير إلى الاتكال على لفظ الشهادتين وأضربوا عن العمل رأسا . والثاني : باب الرحمة ، وباب الكرم والمغفرة ، لم تزل الخدع والوساوس تكرّرها حتى أنسينا العقاب جملة ، وصار أحدنا يقتحم الذنوب ويتقاحم على المعاصي ، ولا يشك أنه من المتوكلين على رحمة اللّه ، ويقول : اللّه غفور رحيم ، ورحمة اللّه أكثر من ذنوبنا . والثالث : الرجاء ، فإنه استدرجنا الهوى ، وغرور اللعين به حتى ذهب عنا الخوف مرّة ، وتصوّر للمذنب والمخلط أنه لا شك من أهل الرجاء الممدوح أهله ، والمغفرة وبابها إنّما هي لأهلها ولطالبها ، فطالبها هو الخائف من عقوبة ذنبه ، المستقيل من زلته ، المتنصل من جنايته ، وأما من طلب المغفرة وسأل الرحمة والتجاوز وهو مقيم على اقترافه واتباع شهواته فهذا متمن على اللّه متحكم عليه . ولا خلاف بين المؤمنين أن أسباب رضوان اللّه تعالى هي طاعاته ، وأسباب